السيد محمد تقي المدرسي
89
من هدى القرآن
ليتسع معناها إلى مضمون أشمل هو تجميع كل جوارح البدن وجوانح القلب في اتجاه الداعي ، وهذا يدل على عمق طاعتهم لداعي الله . يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ لأنه يوم الدين والحق ، وقد أعرضوا عن الدين ، واتبعوا الأهواء والظنون ، أما المؤمنون الذين آمنوا بالآيات الربانية ، وصدقوا بالحسنى ، واتبعوا داعي الله في الدنيا ، فذلك يوم سعادتهم ، وأي سعادة أسمى من لقاء العبد بربه ، وبلوغه الوعد الذي طالما تاقت إليه نفسه ؟ ! إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ( 101 ) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ ( 102 ) لا يَحْزُنُهُمْ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمْ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [ الأنبياء : 101 - 103 ] ، وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ [ النمل : 89 ] . قال الإمام علي عليه السلام وهو يحدث الناس عن أحداث المحشر : « إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ بَعَثَ اللهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى النَّاسَ مِنْ حُفَرِهِمْ عُزْلًا بُهْماً جُرْداً مُرْداً فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، يَسُوقُهُمُ النُّورُ وتَجْمَعُهُمُ الظُّلْمَةُ حَتَّى يَقِفُوا عَلَى عَقَبَةِ المَحْشَرِ فَيَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً ويَزْدَحِمُونَ دُونَهَا فَيُمْنَعُونَ مِنَ المُضِيِّ ، فَتَشْتَدُّ أَنْفَاسُهُمْ ويَكْثُرُ عَرَقُهُمْ وتَضِيقُ بِهِمْ أُمُورُهُمْ ويَشْتَدُّ ضَجِيجُهُمْ وتَرْتَفِعُ أَصْوَاتُهُمْ قَالَ : وهُوَ أَوَّلُ هَوْلٍ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ القِيَامَةِ . قَالَ : فَيُشْرِفُ الجَبَّارُ تَبَارَكَ وتَعَالَى عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ فِي ظِلَالٍ مِنَ المَلَائِكَةِ فَيَأْمُرُ مَلَكاً مِنَ المَلَائِكَةِ فَيُنَادِي فِيهِمْ : يَا مَعْشَرَ الخَلَائِقِ أَنْصِتُوا واسْتَمِعُوا مُنَادِيَ الجَبَّارِ ، قَالَ : فَيَسْمَعُ آخِرُهُمْ كَمَا يَسْمَعُ أَوَّلُهُمْ ، قَالَ : فَتَنْكَسِرُ أَصْوَاتُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وتَخْشَعُ أَبْصَارُهُمْ وتَضْطَرِبُ فَرَائِصُهُمْ وتَفْزَعُ قُلُوبُهُمْ ويَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ إِلَى نَاحِيَةِ الصَّوْتِ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ قَالَ : فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ الكَافِرُ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ] « 1 » . [ 9 - 12 ] ثم إن التكذيب بالرسالة أمر طبيعي واجهه كل الأنبياء السابقين * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا التكذيب الأول بالآيات والرسالة ، والتكذيب الثاني بنبوته عليه السلام ، ولم يقفوا عند حد التكذيب وحسب بل سعوا إلى النيل من سمعته وَقَالُوا مَجْنُونٌ لإصراره على الحق ، واستبساله في الدعوة ، بالرغم من تكذيبهم ، فهو في نظرهم يطلب المستحيل اللامعقول ، وحيث وجدوا فيه الشجاعة التي تحدى بها ثقافاتهم وعاداتهم ولم يريدوا الاعتراف له بهذه الإيجابية ، حوَّروها إلى الجنون حتى يصنعوا بينه وبين الناس حجابا يمنعهم من التأثر به ، وهذه من طبيعة الطغاة ، فهم اليوم يسمون الأصالة تطرفا ، والجهاد في سبيل الله إرهابا ، وعلى المؤمنين ألَّا يهزمهم الإعلام المضاد فهم امتداد لخط الأنبياء ، وهم على حق ، وعليهم أن
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 7 ، ص 268 .